في عام 1995 نشرت المجلة الطبية البريطانية قصة عامل بناء دخل المستشفى من شدة الألم ، ممسكا بقدمه التي اخترقها مسمار طوله حوالي 15 الى 18 سنتيمترا خرج من الناحية الأخرى من الحذاء
و الصدمة أن بعدما نزع الأطباء الحذاء تبين أن المسمار لم يخترق قدم العامل أبدا و لا حتى خدش بسيط
إذا ... هل تم خداع عامل البناء من قِبل عقله ؟
لنتعرف أولا على بطلة مقالنا اليوم : الخلية العصبية nerve cell
:كما نرى في الصورة تتكون الخلية من
cell body ( soma )
Dendrites
Axon
Axon terminals
الآن قد يراودك سؤال ... و ماذا بعد ؟ كيف أشعر بالألم ؟
سأجيبك الآن
يحتوي دماغك على 86 مليار خلية عصبية تقريبا ، عدد هائل أليس كذلك!؟
و كل خلية منهم تستطيع الإتصال مع الآلاف الخلايا العصبية الأخرى
كيف يتصلون ببعض ؟
في الحقيقة إنها عملية معقدة للغاية ، حيث تمر الخلية بتغيرات سريعة للغاية في غضون أقل من ثانية و تسمى النبضة العصبية nerve impulse
: ١ ) في البداية تكون الخلية في وضع الراحة
polarization
و هو الوضع الطبيعي أو المسمى ب وضع الراحة لكن الخلية تكون مستعدة لإستقبال أي إشارة
:و لتبسيط الأمر
يوجد أيونات الصوديوم و البوتاسيوم في الخلية ، يتركز الصوديوم خارج الخلية و يتركز البوتاسيوم في الداخل ، و الإثنان موجبان
تكون الشحنة داخل الخلية سالبة إذ أنها يتركز بها ال proteins
كما يوجد بداخلها صوديوم و بوتاسيم موجبان أيضا لكن السالب أكثر
و تتركز ال ions الموجبة بالخارج أكثر
كما يوجد cl سالب في كلا الداخل و الخارج
٢) و مع أي محفز كان ( لمس شيء ساخن مثلا أو سماع صوت ) تتحول الخلية إلى وضع التحفيز depolarisation
بسرعة قصوى يتم فتح بوابات الصوديوم في غشاء الخلية لتدخل أيونات الصوديوم بقوة مجنونة
و بفعل الاندفاع السريع تنقلب الشحنة ؛ فيصير الشحنة الداخلية موجبة و الخارجية سالبة
هذا التغير المفاجئ هو ما يسمى بالنبضة العصبية
nerve impulse
حسنا .... و ماذا بعد لم تصل إلى الدماغ ؟
هنا تحدث المفاجأة ، كأحجار الدومينو تنتقل النبضة من نقطة إلى أخرى عبر الخلية و من خلية إلى خلية ، إلى أن تصل إلى العقل
إذا ، ألن تعود الخلية إلى طبيعتها ؟ هل ستظل في وضع التحفيز ؟
عزيزي القارئ ، هنا سنتحدث عن المرحلة الثالثة
٣) مرحلة العودة إلى الوضع الطبيعي
repolarization
تنفتح قنوات البوتاسيوم لتخرج أيونات البوتاسيوم بكثرة إلى الخارج لتحول الشحنة الخارجية إلى موجبة و الشحنة الداخلية سالبة
:و يكون الوضع كالآتي
بوتاسيوم بكثرة في الخارج
صوديوم بكثرة في الداخل
لكن هل كان هذا الوضع الطبيعي؟
:سأذكرك كيف كان الوضع الطبيعي
موجب في الخارج بسبب تركز الكثير من الصوديوم
سالب في الداخل بسبب تركز البروتين ، مع وجود بوتاسيوم بكثرة
إذا فهذا ليس الوضع الطبيعي
إذا كيف نعود للوضع الطبيعي ؟
للمرة الثالثة تنفتح قناة ، لكن هذه المرة ليست اي قناة ، بل مضخة خاصة ؛ مضخة الصوديوم و البوتاسيوم
تخرج ثلاث أيونات من الصوديوم و تدخل أيونين من البوتاسيوم بإستخدام واحدة من ال
ATP
و هي وحدة طاقة
إلى أن يعود الوضع الطبيعي
ماذا يحدث إذا حدث و تعرضت لتحفيز ك لمس شيء ساخن في هذا الوقت ؟
حسنا باختصار لن تستجيب أعصابك و لن تشعر بالألم "الذي يصنعه عقلك"
و هذا ما يعرف ب فترة الجموح
Refractory Period
كيف تنتقل النبضة من خلية إلى خلية أخرى ؟
لنعد لهذه الصورة مرة أخرى ، هل ترى ال
axon terminals و ال dendrites ؟
بين كل خلية و خلية أخرى يلتقيان ال
axon terminals و ال dendrites
معا في ما يعرف بال
synapse
ال synapse:
هي نقطة الإلتقاء و أخذ المعلومات
تمر النبضة عبر الخلايا في غضون أقل من ثانية إلى أن تصل إلى العقل ، و هناك يعالج العقل البيانات و حسب أهميتها و قوتها يرسل رد فعل مؤلم
و في بعض الأحيان لا يصل الأمر إلى العقل ؛ إذا كان الخطر شديدا فإن الحبل الشوكي يتخذ القرار بسرعة و يأمر العضلات بالإنقباض
انتهينا من الجزء النظري فلنبدأ بالعملي و أخيرا
حتى الآن لم أعلم كيف شعر الرجل بالألم بينما لم يخدشه المسمار قط !؟
الصبر يا صديقي الصبر
لم انسى أمر القصة
الأمر هنا له تفاسير نفسية ، و كله يعتمد على تنبؤ و توقع العقل لما حدث
توقع العقل أنه بالتأكيد اخترق المسمار القدم ، ف أدى وظيفته ، و هي الحماية ، بدون حتى أن يتأكد من أنه حدث ضرر أصلا!
:دعني أضع لك أمثلة لأن الأمر غريب نوعا ما
* ظاهرة ألم الطرف الشبح Phantom Limb Pain:
هل سبق لك أن تحدثت مع شخص بتر جزءا منه ؟
أنا فعلت !
جدي بتر مشط قدمه ، و كنت أبحث عن الموضوع لأني وجدت الأمر مثيرا
وجدت أن هناك أناس بالفعل بعد أن تم بتر أيديهم أو أرجلهم أو حتى أصابعهم ؛ لا يزالون يشعرون بها !
يا إلهي كيف هذا ؟؟
رغم أن الطرف لم يعد موجودا إلا أن الخريطة الدماغية لا زالت موجودة ، بل و أيضا إنها تستمر في إستقبال الإشارات العصبية من هذا المكان ، عند البتر ، الخلايا العصبية الموجودة في هذا المكان ترسل إشارات مضطربة و عشوائية ، فيرسل العقل ردود فعل مؤلمة ، و هذا يثبت أن الألم مصنوع من العقل !
سبحان الله و الله !
لأعطيكم مثلا آخر :
*وهم اليد المطاطية Rubber Hand Illusion :
بالتأكيد مر عليكم فيديو لتجربة كهذه :
يضع رجل ما يده في صندوق مغطى و يتم وضع يد اصطناعية مزيفة أمامه و يتم لمس الاثنين حتى يظن العقل أن اليد المزيفة هي اليد السليمة ، ثم يتم ضرب اليد المزيفة بشيء حاد و عدم ضرب اليد السليمة ، و الأمر العجيب أن الرجل يسحب يده بعنف و يزداد نبض قلبه و يتسع بؤبؤ عينيه و يقسم أنه شعر بألم حقيقي ، و هو لا يكذب حقا !
هذه التجربة تم تقديمها لأول مرة عام 1998 بواسطة الباحثين "ماثيو بوتفينيك" و"جوناثان كوهين"، وهي تثبت بدقة كيف يمكن خداع الدماغ البشري ليتعامل مع جسم غريب وكأنه جزء لا يتجزأ من الجسد الحقيقي.
مثال آخر ؟
* ألم التعاطف Sympathetic Pain :
سنا انتِ تمزحين بالتأكيد ، ألم بسبب التعاطف ! يبدو أنكِ ضُربتِ على رأسك !
أنا لا أمزح ، سأشرح لك
هل حدث وأن رأيت شخصاً يتلقى ضربة قوية ومؤلمة جداً فشعرت فجأة بـ قشعريرة أو ألم حقيقي خفيف في نفس المكان من جسدك؟
على الأرجح نعم حدث لك هذا
حدث لي انا كثيرا
و لم أكن أدري لم أشعر أنا بالألم أصلا !
إلى أن بحثت في الأمر و علمت بالاسم العلمي لها ألا و هو : ألم التعاطف Sympathetic Pain
إنه أمر مذهل للغاية حقا !
أليس كذلك ؟
آخر مثال :) الأمر ممتع للغاية استطيع اخبارك بأمثلة أكثر لكن سأكتفي بهؤلاء
* ألم الألوان الوهمي Color-Pain Association:
تم إجراء تجربة على مجموعة من المتطوعين حيث طُلب منهم أن يضعوا أيديهم على أسطح معدنية ، و تم إخبارهم أن حرارة هذه الأسطح ستتغير
أضاءت الشاشة باللون الأحمر عند بضعة أسطح
أتدري ماذا حدث ؟
طلب المتطوعون رفع أيديهم و اشتكوا من ألم الحرق الشديد
و عند آخرون أضاءت باللون الأزرق و الآن أنت تعلم ماذا حدث
شعر المتطوعون بالبرودة الشديدة
و هنا تكمن الصدمة :
تنترارارا !
الأسطح لم تتغير درجة حرارتها أصلا ! بل ظلت ثابتة في درجة حرارة معتدلة
اهٍ منك أيها العقل المخادع
يعني في نهاية القول ليس هناك ما أقوله سوى سبحان الله
و في أنفسكم أفلا تبصرون
يعني والله إن الله أبدع في خلقه سبحانه و تعالى
و الآن سؤالي لك أيها القارئ :
هل سبق و شعرت بألم التعاطف من قبل ؟
أو أحسست بالألم مع أنه في الواقع لم يصيبك أي شيء ؟







والله انتِ تجعليني استمتع بالمقال بكثره اتمنى ان تستمري بشرح هاكذا مواضيع 🌷
جميل أوي.